الشيخ محمد هادي معرفة

96

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

أسباب النبوّة ما جمع للأنبياء الكاملين ، كإبراهيم ، من الرؤيا الصادقة والإعلامات المتتالية بحقائق العلوم والإيحاءات بالمغيّبات . والحاصل : أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله استكمل باطنه وسرّه قبل أن يتعدّى صفة الباطن منه إلى الظاهر ، فتصف القالب بصفة القلب محاكيا له ، والأوّل نهاية السفر من الخلق إلى الحقّ ، والثاني نهاية السفر من الحقّ بالحقّ إلى الخلق » . « 1 » نعم ربّما كانت الرؤيا الصادقة سبيل الوحي إليه صلى الله عليه وآله فيلقى إليه العلم أحيانا في المنام . قال أمير المؤمنين عليه السلام : « رؤيا الأنبياء وحي » . « 2 » ولكن لم يكن شيء من ذلك قرآنا ، إذ لم يعهد نزول قرآن عليه في المنام . نعم وإن كان بعض رواه أسبابا لنزول القرآن ، كما في قوله تعالى : « لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ . . . » « 3 » فقد رأى النبيّ صلى الله عليه وآله ذلك ، عام الحديبيّة « 4 » وصدقت عام الفتح . « 5 » وكما في قوله : « وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ » « 6 » فقد أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي وابن عساكر ، عن سعيد بن المسيّب ، قال : رأى رسول‌اللّه صلى الله عليه وآله بني اميّة على المنابر ، فساءه ذلك ، فأوحى اللّه إليه : إنّما هي دنيا أعطوها وهي قوله تعالى : « وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا . . . » يعني بلاء للناس . « 7 » هذا . . . وقد ذكر بعضهم أنّ سورة الكوثر نزلت على رسول‌اللّه صلى الله عليه وآله في المنام ، لرواية أنس بن مالك ، قال : بينا رسول‌اللّه صلى الله عليه وآله بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة ، ثمّ رفع رأسه متبسّما . فقلنا : ما أضحكك يا رسول‌اللّه صلى الله عليه وآله ؟ فقال : أنزلت عليّ آنفا سورة ، فقرأ : « بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ . إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ . . . » الخ . « 8 » قال الرافعي : إنّهم فهموا من ذلك أنّ السورة نزلت في تلك الإغفاءة ، لكن الأشبه أنّه

--> ( 1 ) - شرح أصول الكافي ، صدر المتألهين : كتاب الحجة ، ج 3 ، ص 454 . ( 2 ) - أمالي الشيخ الطوسي ، ص 215 ؛ راجع : بحار الأنوار ، ج 11 ، ص 64 ، ح 4 . ( 3 ) - الفتح 27 : 48 . ( 4 ) - وهي سنة ست من الهجرة . ( 5 ) - وهي سنة ثمان . ( 6 ) - الإسراء 60 : 17 . ( 7 ) - الدرّ المنثور ، ج 4 ، ص 191 ؛ وجامع البيان ، ج 15 ، ص 77 . ( 8 ) - الدرّ المنثور ، ج 6 ، ص 401 .